This website uses cookies

Read our Privacy policy and Terms of use for more information.

حتى في المنفى، لا تبقى المعرفة فكرةً في الرأس؛ بل تسري في الجسد، وتعلّمه أن يعيش بين مكانين، وأن يخطو على إيقاعين في وقت واحد

في صباحاتٍ قرب شارع بارنيل، وقبل أن تتهيء المدينة للصباح، يصحو الجسد قبل أن يأذن له العقل، ويمضي مأخوذاً بذاكرةٍ تعرف طريقًا آخر، وسماءً أخرى، وصباحًا آخر. لم تزل الأرصفة تحمل نداوة مطر الليل، والحافلات واقفة كأنها تحبس أنفاسها، ونورسٌ وحيد يعبر السماء الواطئة كأنه يشقّ خيطًا شاحبًا في قماشة رمادية لا تريد أن تضيء سريعًا. قبل أشهر قليلة فقط، كنت أقف على شاطئ آخر، في هواء مثقل بالغبار وبثقل نهايةٍ لم تكن قد أخذت اسم المنفى بعد. وصلتُ إلى مدينة دبلن فيه ذلك الوقت بين آخر الصيف وأول الخريف؛ تركتُ خلفي مدينة تحترق ويتصاعد فيها الدخان مراراً، ووصلتُ إلى مدينة يغسلها المطر كل يوم، ولا يفرغ منها أبدًا

في غزة، كان الضوء يدخل الجسد بثقة ويقين، كأنه يوقظ النهار دفعةً واحدة، ويفتح له الطريق. أما هنا، في دبلن، فالضوء يتردد قليلًا عند العتبة كأنه يطلب الإذن؛ يلمس الأشياء بحذر، يتفقد أطرافها، ثم يدخل على مهل. ومنذ ذلك الرحيل في أواخر الصيف، وحتى صباحات الخريف الأولى هنا، ظلّ جسدي يعيش بتقويمين معاً: تقويمٍ تؤرّخه حرارة الشمس وملوحة البحر، وآخر تمليه غشاوة الضباب ورتابة الأيام

أدنو من النافذة، فيلسعني برد الزجاج. أنظر أمامي حيث تمتدّ الشوارع نظيفةً منضبطة، وفي نظامها سكينةٌ تكاد تشبه شعيرةً صباحية. حاويات القمامة مصطفّة في مواضعها، وإشارات المرور تتعاقب ألوانها بلا عجلة، وزجاج مقهى قريب يعلوه بخارٌ خفيف، ثم تمرّ عليه يدٌ من الداخل فتمحو غيمته الصغيرة. حتى شاحنات تنظيف الشوارع تمرّ صعودًا وهبوطًا في أناةٍ محسوبة، كأنها تفتتح النهار باسم المدينة، وتعيد إلى الصباح هيبته الأولى. أراقب كل ذلك، وأفكر كم يبدو هذا النظام غريباً على جسدي. فما زال في داخلي إيقاعٌ آخر، مشدودٌ إلى غزة، يحمل ارتجافة العجلة التي يورّثها الخوف. هناك، لم تكن الصباحات تبدأ على مهلها؛ كانت تنهض من بين دخان الخشب المحترق، وغبار الإسمنت المعلّق في الهواء، ورائحة خبزٍ بعيدة، حلوة على نحو موجع، خُبز قبل أوانه، وقبل أن يقدر أحد على شرائه

في المنفى، أشعر كأن مدينتين تنطوي إحداهما داخل الأخرى: بردُ هذه البلاد، وحرارةُ تلك البلاد كما حفظها الجسد؛ هذا الهواء الصافي، وتلك الريح التي كانت تجيء مثقلة بالغبار. وطال بي البحث عن لغةٍ تسع هذا الإحساس وتقدر على حمله، حتى عاد إليّ مفهومٌ عرفته منذ زمن: القراءة الطباقية

كان إدوارد سعيد قد جعل من القراءة الطباقية سبيلًا إلى قراءة الأدب قراءةً ترى الامبراطورية والمقاومة في لحظةٍ واحدة، وتسمع الصوت وما يقابله في المعزوفة نفسها. وقد بسّط هذا المعنى في كتابه الثقافة والإمبريالية، الصادر عام 1993. ففي قراءته لرواية جين أوستن Mansfield Park (مانسفيلد بارك)، دعا القارئ إلى أن يلتفت إلى ما وراء الطمأنينة الظاهرة في الضيعة الإنجليزية، وأن يرى كيف يستند ذلك السكون المهذّب، وذلك النظام الواثق بنفسه، إلى مزرعة بعيدة في أنتيغوا، غائبة عن العين وحاضرة في البنية العميقة للحكاية. كانت تلك طريقته في أن يحمل القارئ أكثر من تاريخ في آن واحد، وأن يرى الوقائع المتباعدة وهي متشابكة في أصلها، وإن فرّقتها الجغرافيا وحجبتها الواجهة الهادئة للأشياء

ومع إقامتي في دبلن، أحسست أن فكرة سعيد قد أخذت تخرج من حيّز التأمل إلى حيّز الجسد كأنها صارت طريقةً في التنفّس وفي المشي وفي الانتباه وفي الإصغاء إلى ما لا يُقال. بدأت أفهم جسدي بوصفه موضعًا لهذا الوعي الطباقي: إيقاعٌ جاء من صيف غزة الذي يقضه القصف والقنابل، وإيقاعٌ آخر جاء من خريف دبلن المتحفظ، نغمتان تتجاوران في جهازٍ عصبي واحد، وتعملان فيه معًا، من غير أن تلغي إحداهما الأخرى. فأصبحتْ أنظر خلال الأشياء وعبرها لا إلى ظاهرها فحسب، وأن أقرأ السطوح كما تُقرأ التواريخ: طبقةً فوق طبقة، بما فيها من ندوبٍ وحياةٍ كامنة تحت اتزانها الظاهر

ما زالت رئتاي، كلما خرجت إلى الشارع، تتهيآن للغبار والدخان. لم تتعلما بعد أن تطمئنا إلى هذا الصفاء، ولا أن تصدّقا أن الهواء يمكن أن يكون خفيفًا إلى هذا الحد. تسري الكهرباء في الجدران هنا كحق طبيعي ومتاح، ومع ذلك تمتد يدي إلى مفاتيح الضوء بحذرٍ قديم. يتردد إبهامي لحظةً قبل أن يضغط المفتاح، يفاوض قاعدةً قديمة لم تسقط بعد. أقيس الضوء والحرارة كما تُقاس المؤونة، وأغلق الصنبور وأنا أغسل الطبق بالصابون، وأملأ الغلاية إلى نصفها فقط، وأحتفظ بالماء البارد في الزجاجات لوقتٍ قادم. وما زلت أبقي الطعام أكثر مما ينبغي، كأن في داخلي بيتًا لم يبرأ من الخوف، ولم يصدّق بعد أن الغد قد يأتي ومعه ما يكفي

حتى الجوع يبدّل عادته في المنفى. فالجسد الذي طالما تعلّم أن يحسب طاقته على الاحتمال، لا يزال يرتجف أمام الوفرة. في أيام الإبادة، كانت حياتنا تجري على شريعة النقص: ملاعق معدودة، وأكواب مشتركة، واتفاق ضمني على الاقتصاد في كل شيء، حتى غدا البقاء نفسه مسألةً من مسائل الحساب. كنّا نعدّ السكر بالملاعق، ونمدّ العدس على أيامٍ متتابعة، ونسكب الزيت بحذر من يسكب آخر ما بقي له من الزمن. وقد انقضت تلك الشهور، غير أنّ قانونها لم ينقضِ؛ بقي مقيماً في الأعصاب، يسري فيها كنبضٍ خفيّ، ويعلّم الجسد أن يتلفّت حتى وهو جالسٌ إلى مائدةٍ آمنة. فحين أجلس اليوم إلى طبقٍ عامر، أرى في الطعام ما هو أبعد من الطعام، وأرى في امتلائه امتحانًا للطمأنينة، وأرى ما خلّفته الحرب في الجسد من أدب القلّة؛ ذلك الأدب الذي أورثه التجويع الإسرائيلي الممنهج، الذي لا يرى في الامتلاء راحةً خالصة

تفيض متاجر دبلن بالثمار في كل فصل، وتلمع ممرّاتها بوفرةٍ كانت في غزة، زمن الإبادة، كأنها من شؤون حياةٍ مؤجَّلة؛ يعرفها الناس، وتعرفهم، غير أنّ الحصار كان يقيم بينها وبينهم حجابًا قاسيًا. أمشي بين هذا الامتلاء مأخوذةً بما أرى، وفي داخلي حذرٌ قديم؛ فحواسي هنا معلّقة بين الامتنان والريبة. في هذه المدينة، يعطي العالم كأنه لم يعرف معنى الحرمان قط، أما الجسد الذي عاقد الجوع زمنًا طويلًا فلا يمدّ يده إلا بحساب. هنا، للوفرة ظلٌّ يسبقها. أقف عند صندوق الدفع، والسلة بين يديّ أثقل من حاجتي وأخفّ من ذاكرتي. تمتدّ يدي إلى الرغيف الأصغر، ثم تمضي. لا أحد يلاحظ شيئًا؛ وحدها اليد تعرف ما تركته الحرب فيها

في غزة، كانت القهوة ضربًا من المقاومة الهادئة. خلال الإبادة كنت أبتكر لها نارًا من حطام الأشياء. أضع خيطًا من الليف المعدني في علبة صفيح مقصوصة، وأقدح الشرارة بعد الشرارة حتى يتوهّج السلك بلونٍ برتقالي، ثم أرفع الإبريق فوقه ويدي ملفوفة بمنشفةٍ خشنة تقيها لسعة النار. لعشرين دقيقة كنت أحرس تلك الشعلة الضعيفة كما تُحرس حياةٌ واهنة، أستبقيها وأسترضيها حتى تمنح الماء شيئًا من الدفء، وإن كان لا يبلغ الغليان تمامًا. كنت أشرب القهوة على أي حال، شرابًا خشنًا من حبّات قليلة من البن، مخلوطة بحمّصٍ محمّص. لم يكن الطعم هو المغزى، بل الفعل نفسه؛ أن تُصنع القهوة، وأن يُنتزع الصباح من بين الخراب ولو بفنجان ناقص. تقفز هذه الذاكرة إليّ كل صباح حين أضغط زرّ الغلاية الكهربائية. فالقهوة السريعة هنا متاحة في كل دكان، قريبة كأنها أمرٌ بديهي من أمور الحياة، ومع ذلك تتردّد يدي عند فم الفنجان، كأن القهوة تعبر من زمنٍ إلى زمن. يداهمني خجلٌ لا يعرف لمن يعتذر، وحاجةٌ عجيبة إلى تبرير اختيارٍ لا يحاسبني عليه أحد.. أضع في الكوب أكثر مما أحتاج، ثم أستدرك إسرافي، فأعيد بعض القهوة إلى المرطبان على عجل. أحيانًا أتوقف قبل أن أسكب الماء، فتعود إليّ علبة الصفيح، وسواد الاحتراق على جوانبها، ورجفة المعدن في قبضتي ورائحة الدخان وهي تصعد إلى النافذة في أيامٍ كانت فيها أصوات الانفجارات ثقيلة بما يكفي. عندها يبدو أزيز الغلاية النظيف غريبًا، شديد النظافة، إلى جوار تلك المشقّة الخشنة. وبين الفنجانين يعرف الجسد أن فعلًا واحدًا قد يحيا في عالمين متباعدين: فنجانٌ كان يتصلب في وجه القلّة، وفنجانٌ يطمئن إلى يسرٍ لا يطلب ثمناً؛ وكلاهما محفوظ في جسدٍ لا يعرف كيف ينسى
يتنقّل الجسد ذو الإيقاعين في دبلن بتلك اليقظة نفسها التي صاحبته زمن الحرب. فإذا عبرت مروحيّةٌ السماء الرمادية فوق مستشفى روتندا، سبقت العضلاتُ العقلَ إلى الانقباض؛ يشتد ظهري للحظة، ثم يلين كأنه يذكر نفسه بالسماء الجديدة. وإذا مالت طائرةٌ في طريقها إلى المطار، وجدتني أتتبّع زاوية هبوطها عن غير قصد، وكآن حواسي تستعيد حساباً قديماً للخطر. إن ما يتعلّمه الجسد في الخوف لا تُمليه عليه الذاكرة وحدها، ولا تمحوه المسافة؛ بل يبدّل شكله، ويختبئ في حركاته، ثم يظهر عند أول صوتٍ يشبه ما مضى

في صباحات نهر الليفي الهادئة، تصرخ النوارس فوق الجسور، وتهبط أصداؤها على الماء في إيقاعاتٍ لا أستطيع دائمًا قراءتها. لقد تعلّم أطفال غزة أبجدية الخطر قبل أبجدية الطيور، وكنتُ من بينهم. أن يكبر المرء على هذا النحو معناه أن يرث علمين في جسدٍ واحد: علمًا عاجلًا يحرس الخطوة والنَّفَس، وعلمًا آخر يقرأ العلامات البعيدة، ويصغي إلى ما تخفيه الأصوات من معنى. وهكذا يمضي الجسد حاملًا درسَيه معًا؛ يسمع في الصوت الواحد احتمال الأذى واحتمال الجمال، ولا يملك أن يفصل بينهما فصلًا كاملًا

وكلما طال مقامي بين هاتين المدينتين، اكتسب الفرق بينهما ثقلًا فلسفيًا يتجاوز الجغرافيا. أراد إدوارد سعيد بالقراءة الطباقية أن يكشف كيف تحمل الحكاية الواحدة حكايةً أخرى في طياتها، وأن يبيّن كيف قد تقوم الامبراطوريات على تواريخ بعيدة أُسكتت أصواتها. فالحكاية ذاتها قد تمنح قارئًا شعوراً بالألفة، وتفتح لقارئٍ آخر بابًا على أثرٍ دفين من الوجع. أتذكّر ذلك الآن وأنا أصغي إلى الإيقاعات المتوازية في جسدي. أمشي في دبلن، غير أنّ إيقاع غزة يمضي تحت خطواتي؛ وأدخل الراحة، فتدخل معها نغمةٌ ثانية من ذاكرة قلقة

في أول الأمر، كان هذا التباين يثقل عليّ؛ فكل يسرٍ هنا كان يوقظ مقابله هناك. كان دفء الماء يفاجئ يديّ، وكان الضوء الكهربائي يسبق الامتنان برجفةٍ قصيرة. حتى النعم الصغيرة من غرفةٌ هادئة، ورفٌّ ممتلئ، وليلٌ لا يطلب من القلب أن يظلّ متأهباً، كانت تحتاج منّي إلى زمنٍ كي أستقبلها من غير اضطراب، كأن الأمان ضيفٌ كريمٌ لا أعرف بعد كيف أفتح له الباب

لم أبلغ من هذا الوعي المزدوج راحة الفهم، ولم أخرجه منّي كأنما يقتلع المرء شوكةً من يده. في أكثر الأيام يبدو كدرسٍ طويل أتعلّمه ببطء، لا كمعنىً استقرّ في داخلي وانتهى. غير أنّ شيئًا تغيّر؛ لم أعد أراه خللًا يجب إصلاحه، ولا عبئًا ينبغي أن أشرح سببه في كل مرة. المكان الأول لم يغب. في بعض الأيام يحضر حادًّا كحافة زجاج، وفي أيامٍ أخرى يجلس بعيدًا خلف روحي٬ ساكنًا وخافتًا

الآن، حين تعود إليّ غزة ليلاً، لا تعود كصوتٍ يلومني، بل كرفيق يمشي في الظل. تعود عتمةُ الانقطاع الطويل، وذلك الصمت المريب الذي كان يتّسع بين دويٍّ قصف قريب ودويٍّ أبعد، وتعود الشموع وهي تأكل شمعها على عجل، كأن الليل كان أطول من قدرتها على الصبر. غير أنّ الذاكرة لا تقف مني موقف الخصم، ولا ترفع في وجهي سؤال النجاة. إنها تجلس إلى جواري فحسب

في البيت، أملأ الغلاية، وأقف أرقب الماء حين تأخذه رجفته الصغيرة قبل الغليان. يصعدُ البخار شيئًا فشيئًا، فيغشى الزجاج، ويحجب الخارج لحظةً عن عينيّ، كأن الدنيا أفسحت للذاكرة ممرًّا قصيرًا كي تعبر. لا أفسّر المشهد، ولا أقطع عليه سكونه بالكلام. أتركه كما هو. ماءٌ يتهيّأ للغليان، وزجاجٌ تغشاه الغيمة، ومدينةٌ تختفي قليلًا، ومدينةٌ أخرى تعود من وراء البخار. وأفهم، في تلك اللحظة، أن هذا أيضًا ضربٌ من القراءة على إيقاعين؛ أن يرى الإنسان حياته الحاضرة من خلال حياةٍ أخرى، لا ليستبدل إحداهما بالثانية، ولا ليطلب من إحداهما أن تغفر للأخرى، بل ليحفظ لهما حقّهما في الوجود معًا 

لقد نقشت غزة اليقظة في جسدي، وفتحت لي دبلن بابًا إلى الراحة. الأولى تذكّر الجسد بمعنى الاحتمال، والثانية تعلّمه، على مهلٍ، كم يسهل على المعنى أن يتبدّد حين تغيب الشروط التي صنعته. وبين المدينتين، لم ينتهِ شيء تمامًا، ولم يبدأ شيء من الصفر. فقط أعيش في المسافة بينهما

وأتعلّم أن المنفى ليس بلدًا يصل إليه المرء وينتهي الأمر، بل مشقّةٌ يومية في حمل حقيقتين معاً: الأمان الذي أعيشه الآن، والخطر القديم الذي شارك في تكويني.لا أستطيع أن أوفّق بينهما تمامًا، ولا بأس في ذلك. حسبُ المرء أن يظلّ مفتوحًا للذاكرة من غير أن تبتلع الحاضر

غزة ودبلن قائمتان بداخلي معًا. لا أفتّش بينهما عن حياةٍ أصدق من حياة، ولا عن مكانٍ أحقّ باسمي من مكان. كلتاهما عبرت الجسد وتركت أثرها فيه. علّمتني غزة كيف يثبت الإنسان حين تضيق الدنيا، وتعلّمني دبلن كيف يطمئن حين تتّسع له الحياة قليلًا. وبينهما أحاول أن أفهم نفسي، لا كمن غادر حياةً ودخل أخرى، بل كمن صار يحمل زمنين في قلبٍ واحد

Keep Reading